الشيخ محمد رشيد رضا

665

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال فلما جعل اللّه الاسلام في قلبي أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت ابسط يدك أبايعك ، فبسط يمينه فقبضت يدي قال « مالك ؟ » قلت أردت أن أشترط قال « تشترط بماذا ؟ » قلت أن يغفرلي ، قال « أما علمت يا عمرو ان الاسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله ؟ » الحديث وَإِنْ يَعُودُوا إلى العداء والصد والقتال فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي تجري عليهم سنته المطردة في أمثالهم من الأولين الذين عادوا الرسل وقاتلوهم ، وقال مجاهد : في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك ، أقول وهي السنة التي عبر عنها بمثل قوله ( 58 : 20 إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ 21 كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) وقوله ( 40 : 51 إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) فإضافة السنة إلى الأولين لملابستها لهم وجريانها عليهم * * * وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أي وقاتلهم حينئذ أيها الرسول أنت ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة في الدين بالتعذيب وضروب الايذاء لأجل تركه كما فعلوا فيكم عندما كانت لهم القوة والسلطان في مكة حتى أخرجوكم منها لأجل دينكم ثم صاروا يأتون لقتالكم في دار الهجرة ، وحتى يكون الدين كله للّه لا يستطيع أحد أن يفتن أحدا عن دينه ليكرهه على تركه إلى دين المكره له فيتقلده تقية ونفاقا - ونقول إن المعنى بتعبير هذا العصر : ويكون الدين حرا ، أي يكون الناس أحرارا في الدين لا يكره أحد على تركه اكراها ، ولا يؤذى ويعذب لأجله تعذيبا ، ويدل على العموم قوله تعالى ( 2 : 256 لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) وسبب نزول هذه الآية ان بعض الأنصار كان لهم أولاد تهوّدوا وتنصروا منذ الصغر فأرادوا إكراههم على الاسلام فنزلت فأمرهم النبي ( ص ) بتخييرهم ، ولكن المسلمين انما يقاتلون لحرية دينهم ، وان لم يكرهوا عليه أحدا من دونهم ، وما رضي اللّه ورسوله في معاهدة الحديبية بتلك الشروط الثقيلة التي اشترطها المشركون الا لما فيها من الصلح المانع من الفتنة في الدين المبيح لاختلاط المؤمنين بالمشركين واسماعهم القرآن إذ كان هذا إباحة للدعوة إلى الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ولرؤية المشركين حال المؤمنين ومشاهدتهم انها خير من حالهم ، ولذلك كثر دخولهم في